القرطبي

189

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - قوله تعالى : " فاحكم بين الناس بالحق " أي بالعدل وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله ، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل . فقيل له بعد هذا ، فاحكم بين الناس بالعدل " ولا تتبع الهوى " أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله " فيضلك عن سبيل الله " أي عن طريق الجنة . " إن الذين يضلون عن سبيل الله " " أي يحيدون عنها ويتركونها " لهم عذاب شديد " في النار " بما نسوا يوم الحساب " أي بما تركوا من سلوك طريق الله ، فقوله : " نسوا " أي تركوا الإيمان به ، أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين . ثم قيل : هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة . وقيل : بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته . الثالثة - الأصل في الأقضية قوله تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " وقوله : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] وقوله تعالى : " لتحكم بين الناس بما أراك الله " [ النساء : 105 ] وقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط " الآية . وقد تقدم الكلام فيه ( 1 ) . الرابعة - قال ابن عباس في قوله تعالى : " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " قال : إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى ، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج على صاحبه ( 2 ) ، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي ، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي . فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق ، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع ، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أو صداقة ، أو غيرهما . وقال ابن عباس : إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام ، لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون الحق لأحدهما . وقال عبد العزيز بن أبي رواد : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل ، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 375 وما بعدها وج 6 ص 109 وما بعدها وص 212 طبعة أو ثانية . ( 2 ) يفلج على صاحبه : نظفر ويفون .